سـراج الجسـد العيـن. هذا يعنـي أن العيـن تضيء الجسـد كـله (كانـوا يفكّـرون أن العيـن فيهـا نـور). هنا لا يقـرر الإنجـيـل أمـرًا فيـزيـائيـًا، ولكـن لـفـظـة جسـد تعنـي الكيـان كلّـه. بساطـة العيـن التـي هـي نـور تعـني ألا تشتـهـي مـا لأخيـك ولكـن أن تعمـل الصـلاح فـي بسـاطـة الـروح. العيـن كلمـة مستعــارة لتـدلّ عـلى الاستنــارة الـروحيـة أو قـوة التـديـّن. فإن كانت روحك سليمة “فجسدك كلّه يكون نيّرًا” أي كل كيـانـك يستـضـيء .
بعـد هـذا ينتقـل السيـد الـى كـلام شـديـد عـن المـال ويقـرّر أن الإنسـان لا يستـطيـع أن يعبـد اللـه والمـال. الإنسـان قـادر أن يجعـل المـال إلهـًا لـه أي أن يعـتـبـر حيـاتـه متعـلّقـة بـرزقـه، بمـا يمـلك إذ هـو لا يـرى حيــاتــه الحقيـقيـة إلا نـاتجـة عمّـا فـي جيبـه أو فـي المصــرف أو فـي عقـاراتـه أو سيـاراته. هـذا الإنسـان يجعــل المـال فـوق كـل قيمـة، يـرى فيـه وحـده الـقدرة. الحيـاة عنـده طعـام وشـراب. أجـل هنـاك نـاس يـرون فـي المـال وسيـلـة لعيـشٍ كـريـم، بلا عـوز أو عيـش فيـه رفــاهــة ولكـنـه ليــس كـل شـيء، ليــس مــا يحيـي القـلب وليـس مــا يعـطي الفـرح. بعـض النـاس لا يمـلكـون المـال. هـو يمـلكـهـم ويعـيشـون فـقـط ليجتـنوه. أمـا الـعـدل والمحبـة والإخـاء والصداقـة فهـذه عنـدهـم ثـانـويـة لا تُحــرّك قـلوبهـم .
هل إذا قـال الـرب نتـيجـةً لتحـذيـره مـن عـشـق المـال: “لا تهـتـمـّوا قـائـلين: مـاذا نـأكـل أو ماذا نشــرب”، هل هـذا قـول يـدفعنـا فيـه المخـلّص ألا نُنظّـم شـؤون حياتنـا الاقـتـصـاديـة، ألا نتـرك شيئًـا لمستـقبــلنـا؟ مــا يدعـو إليـه المعلـّم هـو ألاّ نقـلـق، ألاّ نقع في خـوف الأيام الآتيـة. هذا من جهة، ومـن جهـة ثـانيـة أنْ نثـق أن الحيـاة الآتيـة فـي الملكـوت هـي الـتـي تُنـقـذنـا مـن الجـزع .
لذلك قـال: “اطلبـوا أولاً ملكـوت الله وبـرّه، وهـذا كلّـه يُـزاد لكـم”. أنـت لك أن تضطـرب مـن الخطيئـة وأن تطمئـنّ الـى الرحمـة، أن تجعـل خـلاص نفسـك شغلك الشاغل، والباقي يأتي. الخـوف أن تـأتـي الممـارسـة الديـنيـة عنـدك شيئـًا نـافـلا، ثـانـويـًا وأن تجعـل أمـور الدنيـا هي الأولى مستحوذة على قلبك فيـتـركـك الـروح القـدس.
طبعـًا أنـت تعمـل فـي دُنيـاك لا من أجـل غناك أو نفوذك. تعمل فيها لتتطهّر نفسك وتكسـب حضـور الله فيـك بحيـث يبـدأ ملكـوت الله فيـك، فـي هـذا العالـم. هذه هي حاجتـك الأولـى إذ عليـك أن تختـار بين أوليّـة هذا العـالـم وأوليّـة الملكوت لأنك وإن كنـتَ في العـالـم إلا أنـك لسـت مـن العـالـم كما قال السيد في خطبـة الوداع.
أنتَ روحانيّ ليس بمعنى أنك تقضي كل وقتـك في الكنيسة إذ عندك عيـال. أنتَ روحـانيّ أي، فيما تتعاطى شـؤون هذا العالم وتستعمـلـه، تبقـى مشـدودًا الى وجه المسيح. تكون سمـاويًا هنـا فيمـا تـأكل وتلبس وتهتمّ بعائلتك وبالبلد. ما هو رأس اهتمامك؟ هل هو المسيح؟ إذ ذاك أنتَ خالص.
جاورجيوس مطران جبيل والبترون وما يليهما (جبل لبنان).